محمد بن محمد ابو شهبة
174
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
محمد بن سعد من حديث جماعة منهم : عطاء بن أبي رباح ، وابن عباس ، أن امنة بنت وهب قالت : « لما فصل مني - تعني النبي - خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب ، ثم وقع على الأرض جاثيا على ركبتيه ، معتمدا على يديه ، ثم أخذ قبضة من التراب ، فقبضها ، ورفع رأسه إلى السماء » « 1 » . وروى الإمام الجليل أحمد بن حنبل ، والبزار ، والطبراني ، والحاكم ، والبيهقي عن العرباض بن سارية السلمي - رضي اللّه عنه - أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إني عند اللّه لخاتم النبيين « 2 » ، وإن ادم لمنجدل في طينته ، وسأخبركم عن ذلك : أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى ، ورؤيا أمي التي رأت « 3 » ، وكذلك أمهات النبيين يرين » « 4 » ، وإن أمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام ، وفي رواية ابن إسحاق : « أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام » . موضع ولادته وكانت ولادته صلّى اللّه عليه وسلّم في دار أبي طالب بشعب بني هاشم « 5 » ، وكانت قابلته
--> ( 1 ) أما النور فنور النبوة والرسالة ، وأما الجثي على ركبتيه فإشارة إلى شدة تواضعه لربه ، وتواضعه للخلق ، وأما الاعتماد على يديه فإشارة إلى أنه لن ينشأ مدللا كسلان كما هو شأن أبناء الملوك والأشراف ، وإنما سيعتمد من صغره على اللّه ثم على نفسه ، وأما أخذه قبضة من التراب فإشارة إلى أن الأرض منها البدء ، وإليها الإعادة ، ومنها الإخراج للبعث ، وأنه سيغلب أهل الأرض ، وأما رفع رأسه إلى السماء فإشارة إلى عظم توكله على ربه ، وإلى ارتفاع شأنه وقدره ، وسمو غايته وسؤدده ، وأنه يسود الخلق أجمعين . ( 2 ) أي في علمه وتقديره الأزلي . ( 3 ) هذه الرؤية بصرية ، وقد وردت بهذا المعنى في أفصح الكلام ومعجزه ، وهي غير الرؤيا التي رأتها في مبدأ الحمل ، فتلك كانت منامية ( شرح المواهب ، ج 1 ص 136 ) . ( 4 ) قال الحافظ ابن حجر : وصحّحه ابن حبان والحاكم . ( 5 ) وقد صارت هذه الدار إلى محمد بن يوسف الثقفي أخي الحجاج ، ذلك أن عقيل بن أبي طالب باع دور من هاجر من بني هاشم ، ومنها هذه الدار ، وقد أدخلها محمد بن يوسف هذا في داره التي يقال لها : البيضاء ، ولم تزل كذلك حتى حجت الخيزران أم الرشيد ، فأفردت ذلك البيت وجعلته مسجدا ، وقيل : إن التي بنته هي السيدة زبيدة